الرئيسية / رئيسي / انفراد صحفي من 25 سنة.. لم ينشر حتى اليوم

انفراد صحفي من 25 سنة.. لم ينشر حتى اليوم

منذ 25 وعشرين عاماً وتحديداً عام 1991 كان في يدي إنفراد صحفي عالمي.. خبر يهم كل وسائل الإعلام في العالم، ويمكن أن تتناقله أكبر الصحف العالمية في صدر صفحاتها الأولى.. ولكنني لم أنشره أو أتحدث عنه إلا من خلال تلك السطور التي تقرأها الآن..

والسبب ببساطة أنني فضلت مصلحة بلدي على فكرة الانفراد والسبق الصحفي.. رغم أنه أهم شئ عند أي صحفي في العالم..

بدأت الحكاية في صباح أحد الأيام عندما كنت أعمل صحفيا في جريدة الأخبار المصرية، وتحديداً في مكتب الجريدة بمطار القاهرة، وهو تخصص لا يعرفه الكثير من القراء، ويعني أنني وزملاء كثر من صحف ومجلات أخرى نذهب يوميا إلى المطار وليس الجريدة لنقوم بتغطية أخبار المطار من حوادث أو أخبار للطيران وصالة كبار الزوار التي يصل إليها ويسافر منها كبار الشخصيات..

ورغم أن المسألة قد تبدو بسيطة إلا أن الأخبار التي تخرج من هذا المكان في منتهى الأهمية..

في هذا اليوم وبينما أتنقل بين صالات السفر والوصول، همس في أذني أحد العاماين في المطار بأن هناك واقعة مهمة حدثت منذ قليل، وهي أن السلطات الأمنية في مطار القاهرة منعت البعثة الديبلوماسية العراقية من السفر..

كانت حرب تحرير الكويت قد بدأت منذ أيام، وشاركت فيها القوات المصرية في المنطقة المعروفة بحفر الباطن في السعودية، وعرفت من المصدر أن البعثة الديبلوماسية العراقية قد وصلت إلى المطار مع عائلاتها بشكل متفرق حتى لا تلفت الأنظار للسفر إلى الأردن، في محاولة لمغادرة مصر نهائياً بعد أن صدرت لها تعليمات بذلك..

وطبقاً للقوانين الدولية لا يمكن منع ديبلوماسيين من السفر أو مغادرة البلاد.. وكان العالم كله وقتها يلهث وراء أي أخبار تخص الحرب الدائرة في الكويت، مما يعني أنه إذا صدقت المعلومة فهو إنفراد صحفي عالمي ستتناقله وكالات الأنباء..

بدأت بالفضول الصحفي أحاول التأكد من المعلومة من عدة مصادر مختلفة، مع تفاصيل أكثر عن الواقعة، وعرفت أن 22 ديبلوماسياً عراقياً وصلوا إلى مطار القاهرة مع عائلاتهم وفوجئوا بالمنع من السفر رغم محاولاتهم أن يبدو الأمر طبيعياً، وعرفت أن سلطات الأمن في المطار أبلغتهم بهدوء أنهم لن يسافروا من مصر، حتى تغادر البعثة الديبلوماسية المصرية في بغداد العراق أولاً بشكل طبيعي وبدون أي إيذاء، حيث أن الدولتين أصبحتا في حالة حرب.. وعرفت أن الجهة التي قامت بذلك هي مباحث أمن الدولة في مطار القاهرة..

كان من الممكن أن أكتفي بما حصلت عليه من معلومات واسارع بإرسالها إلى الجريدة بأسرع وقت ممكن، إلا أن كل المعلومات كانت من مصادر غير رسمية وكانت مجرد روايات مبتورة وقمت أنا بتجميعها معاً.

وفضلت كما تعلمنا من الاساتذة الكبار في مؤسسة أخبار اليوم  أن تكون المعلومات أكثر دقة، وأن أكون متأكد من كل حرف فيها، فذهبت إلى مكتب اللواء نبيل عيطة مفتش مباحث أمن الدولة في المطار بعد أن جمعت كل المعلومات التي استطعت الحصول عليها، وجلست أمامه وسألته بشكل مباشر، هل منعتم البعثة الديبلوماسية العراقية من السفر..؟؟

بدت على وجهه علامات الدهشة من معرفتي بالواقعة التي تمت بسرية تامة، وصمت قليلاً ثم قال لي: نعم..

وحتى يعرف أنني أعرف كل التفاصيل سألته مرة أخرى: 22 ديبلوماسي وأسرهم.. صح..؟

فأبتسم وقال لي: صحيح.. هوه فيه أيه.. أنت قاعد لنا على الواحدة.. مش هنعرف نشتغل منك..؟

فقلت له أن الأمر خطير جداً، وأنت تعرف أنكم خالفتم القوانين الدولية..

فأجاب: نعم.. ولكن ليس هناك حل آخر، وإذا سافروا اليوم قد تتعرض البعثة الديبلوماسية المصرية هناك لأذى شديد لا نعرف مداه، ولن نسمح لهم بالسفر قبل أن تعود البعثة المصرية، وهي تستعد للعودة الآن..

وكانت كلماته التي قالها هي كل ما أريد، فقد اكد لي الخبر بنفاصيله، وزاد عليه أن البعثة المصرية في بغداد تستعد للرحيل، ولكن شيئاً ما جعلني اصمت للحظات، ولا أغادر المكتب..

فقال لي: بتفكر في نفس اللي أنا بفكر فيه مش كده..؟

فسألته: وفي ماذا تفكر..؟

فقال في أن نشر الخبر قد يكون فيه ضرراً على البلد، فقد خالفنا فعلا القانون الدولي..

فقلت له: نعم..

فقال: لن أقول لك لا تنشر الخبر أو تبلغ أحد عن الواقعة، ولكن على الأقل اتصلوا بالخارجية المصرية ونسقوا معها في إمكانية نشر الخبر ومدى أضراره على مصر..

شكرته وغادرت مكتبه، وتوجهت سريعاً إلى مكتب الجريدة في المطار، وجلست على مكتبي صامتاً، أفكر في المجد الصحفي إذا ارسلته للجريدة للنشر، وحتى إذا لم تنشره الجريدة، فهناك وكالات أنباء يمكنها أن تدفع لي الآلاف إذا قررت بيع الخبر لها..

وبدون تردد كتبت الخبر وانتهيت منه، ووضعت فوق العنوان كلمة: خبر للعلم وليس للنشر..

رفعت سماعة الهاتف واتصلت بمكتب رئيس التحرير وطلبت التحدث معه للأهمية، ورويت له تفاصيل الخبر، وأصيب بحالة من الذهول وسألني أنت متأكد..؟

وقلت له نعم، وأبلغته أن المصدر الذي أكد لي الخبر والتفاصيل – دون أن اذكر له اسمه – قال أن هناك خطورة من نشر الخبر، وأننا إن أمكن علينا التنسيق مع وزارة الخارجية، ولكنني أرى أنه لا داعي للنشر.

ورد سريعاً: نعم لا داعي للنشر، وأرجو ألا يعلم أحد بهذا الخبر وهذه التفاصيل يا وليد، ولا ترسل الخبر على الفاكس حتى لا يلتقطه أحد بالصدفة..

من يومها وحتى الآن لم أتحدث مع أحد عما  حدث، وضحيت بالخبر الصحفي والإنفراد والسبق من أجل بلدي وسمعتها..

ولكن لماذا أكتب عنه الآن بعد مرور 25 سنة من حدوث تلك الواقعة..؟

لأنني أشعر أن الإعلام في مصر الآن في حاجة لأن يستعيد تلك الروح مرة أخرى، وربما يقرأ تلك المقالة واحداً من هؤلاء الصحفيين المهاوييس بالسبق والإنفراد والأخبار الكاذبة، دون أن يفكر لحظة فيما يمكن أن يحدثه ذلك الخبر، أو هذا المقال، فقد بات الهوس بالشهرة والمال أهم من الوطنية، وأهم من البلد وأهلها.

إلى الزملاء الصحفيين، فكر ألف مرة قبل أن تخط يداك أي خبر..

وإلى القراء الذين تحولوا إلى صحفيين وكتاب مقالات وأخبار على صفحات التواصل الإجتماعي، فكروا ألف مرة قبل أن تعيدوا نشر الأخبار والصور والمقالات والتويتات، وتشاركوا بها الأصدقاء..

فالكلمة أمانة، والكلمة فتنة، وهيأقوى من ألف طلقة ويمكنها أن تقتل وتخرب بلدان وشعوب..

ولا تلهثوا وراء مجد زائف أو شعور بالفخر..

بعد خمسة وعشرين سنة.. لا يزال ذلك الخبر انفراداً.. ولكن مذاقه الآن أجمل ألف مرة..

إترك تعليقاً

شاهد أيضاً

بالفيديو.. الهايبرلوب ثورة في تاريخ انتقال البشر على الأرض أسرع من الطائرة

الهايبرلوب هو مفهوم ل نظام نقل عالى السرعه اطلقه رجل الاعمال والمخترع الامريكى إيلون ماسك وهو عباره عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Facebook

YouTube

Instagram

Follow Me on Instagram
  • أسفار#مالديف

    asfaarmagazine1: "أسفار#مالديف"
    72
    4
  • أسفار#اوكوياما#اليابان

    asfaarmagazine1: "أسفار#اوكوياما#اليابان"
    40
    3
  • أسفا#امستردام#هولندا

    asfaarmagazine1: "أسفا#امستردام#هولندا"
    42
    0
  • اندونيسيا#بالى

    asfaarmagazine1: "اندونيسيا#بالى"
    55
    0
  • اندونيسيا#بالى

    asfaarmagazine1: "اندونيسيا#بالى"
    48
    0
  • اندونيسيا#بالى

    asfaarmagazine1: "اندونيسيا#بالى"
    46
    0
  • أسفار#مالديف

    asfaarmagazine1: "أسفار#مالديف"
    57
    0
  • أسفار#تايلاند

    asfaarmagazine1: "أسفار#تايلاند"
    50
    7
  • أسفار#باريس#فرنسا

    asfaarmagazine1: "أسفار#باريس#فرنسا"
    61
    1
  • أسفار#مسجد#الشيخ#زايد#ابوظبى

    asfaarmagazine1: "أسفار#مسجد#الشيخ#زايد#ابوظبى"
    65
    2